فصل: من فوائد ابن تيمية في السورة الكريمة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من فوائد ابن تيمية في السورة الكريمة:

سورة البلد:
قال شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ:
قوله تَعَالَى: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عينين وَلِسَانًا وشفتين وَهَدَيْنَاهُ النجدين} الْهِدَايَةُ مَحِلُّهَا الْقَلْبُ وَهَذِهِ الْأَعْضَاءُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي هِيَ دَائِمَةُ الْحَرَكَةِ وَالْكَسْبِ إمَّا لِلْإِنْسَانِ وَإِمَّا عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا يَتَحَرَّكُ مِنْ دَاخِلٍ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ وَبِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ فَإِنَّ السُّكُونَ أَغْلَبُ وَحَرَكَتَهَا قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذِهِ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي يُرْوَى عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَانَ صَمْتُهُ فِكْرًا وَنُطْقُهُ ذِكْرًا وَنَظَرُهُ عِبْرَةً». وَفِي حَدِيثٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الصَّمْتِ دَائِمَ الْفِكْرِ مُتَوَاصِلَ الْأَحْزَانِ فَالصَّمْتُ وَالْفِكْرُ لِلِّسَانِ وَالْقَلْبِ وَأَمَّا الْحُزْنُ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْحُزْنَ الَّذِي هُوَ الْأَلَمُ عَلَى فَوْتِ مَطْلُوبٍ أَوْ حُصُولِ مَكْرُوهٍ فَإِنَّ ذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ حَالِهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الِاهْتِمَامَ وَالتَّيَقُّظَ لِمَا يَسْتَقْبِلُهُ مِنْ الْأُمُورِ وَهَذَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالْعَيْنِ.
وَفِيهِ أَيْضًا فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ كَانَ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يُصَلِّي يَنْظُرُ إلَى السَّمَاءِ وَيَقرأ الْآيَاتِ الْعَشْرِ مِنْ أواخر سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ» فَيَجْمَعُ بَيْنَ الذِّكْرِ وَالنَّظَرِ وَالْفِكْرِ فَالنَّظَرُ أَيْ نَظَرُ الْقَلْبِ وَنَظَرُ الْعَيْنِ وَالذِّكْرُ أَيْضًا لابد مَعَ ذِكْرِ اللِّسَانِ مِنْ ذِكْرِ الْقَلْبِ. وَلَمَّا كَانَ النَّظَرُ مَبْدَأً وَالذِّكْرُ مُنْتَهًى لِأَنَّ النَّظَرَ يَتَقَدَّمُ الْإِدْرَاكَ وَالْعِلْمَ وَالذِّكْرَ يَتَأَخَّرُ عَنْ الْإِدْرَاكِ وَالْعِلْمِ؛ وَلِهَذَا كَانَ الْمُتَكَلِّمَةُ فِي النَّظَرِ الْمُقْتَضِي لِلْعِلْمِ وَكَانَ الْمُتَصَوِّفَةُ فِي الذِّكْرِ الْمُقَرِّرِ لِلْعِلْمِ قَدَّمَ آلَةَ النَّظَرِ عَلَى آلَةِ الذِّكْرِ وَخَتَمَ بِهِدَايَةِ الْمَلِكِ الْجَامِعِ الَّذِي هُوَ النَّاظِرُ الذَّاكِرُ. وَذَكَرَ سُبْحَانَهُ اللِّسَانَ وَالشَّفَتَيْنِ لِأَنَّهُمَا الْعُضْوَانِ النَّاطِقَانِ. فَأَمَّا الْهَوَاءُ وَالْحَلْقُ وَالنِّطْعُ وَاللَّهَوَاتُ وَالْأَسْنَانُ فَمُتَّصِلَةٌ حَرَكَةُ بَعْضِهَا مُرْتَبِطَةٌ بِحَرَكَةِ الْبَعْضِ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهَا مِنْ أَجْزَاءِ الْحَنَكِ فَأَمَّا اللِّسَانُ وَالشَّفَتَانِ فَمُنْفَصِلَةٌ. ثُمَّ الشَّفَتَانِ لَمَّا كَانَا النِّهَايَةَ حَمَلَا الْحُرُوفَ الْجَوَامِعَ: الْبَاءَ وَالْفَاءَ وَالْمِيمَ وَالْوَاوَ. فَأَمَّا الْبَاءُ وَالْفَاءُ فَهُمَا الْحَرْفَانِ السَّبَبِيَّانِ فَإِنَّ الْبَاءَ أَبَدًا تُفِيدُ الْإِلْصَاقَ وَالسَّبَبُ وَكَذَلِكَ الْفَاءُ تُفِيدُ التَّعْقِيبَ وَالسَّبَبَ؛ وَبِالْأَسْبَابِ تَجْتَمِعُ الْأُمُورُ بَعْضُهَا بِبَعْضِ.
وَأَمَّا الْمِيمُ وَالْوَاوُ فَلَهُمَا الْجَمْعُ وَالْإِحَاطَةُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمِيمَ ضَمِيرٌ لِجَمْعِ الْمُخَاطَبِينَ فِي الْأَنْوَاعِ الْخَمْسَةِ: ضَمِيرَيْ الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ الْمُتَّصِلَيْنِ والمنفصلين وَضَمِيرُ الْخَفْضِ فِي مِثْلِ قوله: {أَنْتُمْ} و{عَلِمْتُمْ} و{إيَّاكُمْ} و{عِلْمُكُمْ} و{بِكُمْ} وَضَمِيرٌ لِجَمْعِ الْغَائِبِينَ فِي الْأَنْوَاعِ الْخَمْسَةِ أَيْضًا وَالْمُضْمَرُ أَيًّا كَانَ إمَّا مُتَكَلِّمٌ أَوْ مُخَاطَبٌ أَوْ غَائِبٌ وَاحد أَوْ اثْنَانِ أَوْ جَمْعٌ مَرْفُوعٌ أَوْ مَنْصُوبٌ أَوْ مَجْرُورٌ. فَقَدْ أَحَاطَتْ بِالْجَمِيعِ مُطْلَقًا. أَمَّا الْجَمْعُ الْمُطْلَقُ فَبِنَفْسِهَا وَأَمَّا الْجَمْعُ الْمُقَدَّرُ بِاثْنَيْنِ فَبِزِيَادَةِ عَلَمِ التَّثْنِيَة وَهُوَ الْأَلِفُ فِي مِثْلِ أَنْتُمَا وَعَلِمْتُمَا وَكَذَلِكَ الْبَاقِي. وَلِهَذَا زِيدَتْ الْوَاوُ فِي الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ فَقِيلَ عليهموا وأنتموا كَمَا زِيدَتْ الْأَلِفُ فِي التَّثْنِيَةِ وَمَنْ حَذَفَهَا حَذَفَهَا تَخْفِيفًا؛ وَلِأَنَّ تَرْكَ الْعَلَامَةِ عَلَامَةٌ فَصَارَتْ الْمِيمُ مُشْتَرَكَةً ثُمَّ الْفَارِقُ الْأَلِفُ أَوْ عَدَمُهَا مَعَ الْوَاوِ. وَأَمَّا الْوَاوُ فَلَهَا جُمُوعُ الضَّمَائِرِ الْغَائِبَةِ فِي مِثْلِ قَالُوا وَنَحْوِهَا وَأَمَّا الْمُتَّصِلَةُ مِثْلُ إيَّاكُمْ وَهُمْ فَعَلَى اللُّغَتَيْنِ؛ فَلَمَّا صَارَتْ الْوَاوُ تَمَامَ الْمُضْمَرِ الْمَرْفُوعِ الْمُنْفَصِلِ وَالْيَاءُ تَمَامَ الْمُؤَنَّثِ: صَارَتْ لِلْمُؤَنَّثِ مُطْلَقًا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ؛ لِأَنَّهُ تِلْوَ الْمُذَكَّرِ وَالْمُفْرَدُ مُذَكَّرُهُ وَمُؤَنَّثُهُ قَبْلَ الْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعِ فَإِنَّ الْمُفْرَدَ قَبْلَ الْمُرَكَّبِ ثُمَّ الْأَلِفُ صَارَتْ عَلَمَ التَّثْنِيَةِ مُطْلَقًا فِي الْمُظْهَرِ وَالْمُضْمَرِ كَمَا أَنَّ الْوَاوَ عَلَمٌ لِجَمْعِ الْمُذَكَّرِ وَجَعْلُ الْيَاءِ عَلَمَيْ النَّصْبِ وَالْجَرِّ فِي الْمُظْهَرِ مِنْ الْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعِ؛ لِأَنَّ الْمُظْهَرَ قَبْلَ الْمُضْمَرِ وَأَقْوَى مِنْهُ فَكَانَتْ أَحَقَّ أَنْ تَكُونَ فِيهِ مِنْ الْأَلِفِ فَحِينَ مَا كَانَ أَقْوَى كَانَتْ الْوَاوَ وَحِينَ مَا كَانَ أَوْسَطَ كَانَ الْيَاءَ. وَأَمَّا الْجُمُوعُ الظَّاهِرَةُ فَالْوَاوُ هِيَ عَلَمُ الْجَمْعِ الْمُذَكِّرِ الصَّحِيحِ كَمَا أَنَّ الْأَلِفَ عَلَمُ التَّثْنِيَةِ؛ وَلِهَذَا يُنْطَقُ بِهَا حَيْثُ لَا إعْرَابَ لَكِنْ فِي حَالِ النَّصْبِ وَالْخَفْضِ قُلِبَتَا يَاءَيْنِ لِأَجْلِ الْفَرْقِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَسْمَاءَ الظَّاهِرَةَ لَهَا الْغَيْبَةُ دُونَ الْخِطَابِ فِي جَمِيعِ الْعَرَبِيَّةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَاوَ أَقْوَى حُرُوفِ الْعِلَّةِ وَالضَّمَّةُ بَعْضُهَا وَهِيَ أَقْوَى الْحَرَكَاتِ لِمَا فِيهَا مِنْ الْجَمْعِ وَكَوْنِهَا آخِرًا فَجُعِلَتْ لِلْجَمْعِ وَالْأَلِفُ أَخَفُّ حُرُوفِ الْعِلَّةِ فَجُعِلَتْ لِلِاثْنَيْنِ لِأَنَّ الْيَاءَ كَانَتْ قَدْ صَارَتْ لِلْمُؤَنَّثِ فِي الْمُفْرَدِ الْمَرْفُوعِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِي قولك...، وَجَاءَتْ الْمِيمُ فِي مِثْلِ اللَّهُمَّ إشْعَارٌ بِجَمِيعِ الْأَسْمَاءِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ حَرْفَ الشَّفَةِ لَمَّا كَانَ جَامِعًا لِلْقُوَّةِ مِنْ مَبْدَإِ مَخَارِجِ الْحُرُوفِ إلَى مُنْتَهَاهَا بِمَنْزِلَةِ الْخَاتَمِ الْآخَرِ الَّذِي حَوَى مَا فِي الْمُتَقَدِّمِ وَزِيَادَةٍ كَانَ جَامِعًا لِقَوِيِّ الْحُرُوفِ فَجُعِلَ جَامِعًا لِلْأَسْمَاءِ مُظْهَرِهَا وَمُضْمَرِهَا وَجَامِعًا بَيْنَ الْمُفْرَدَاتِ وَالْجُمَلِ فَالْوَاوُ وَالْفَاءُ عَاطِفَانِ وَالْفَاءُ رَابِطَةُ جُمْلَةٍ بِجُمْلَةِ. وَلَمَّا كَانَتْ النُّونُ قَرِيبَةً مِنْ الْفِيهَةِ فَهِيَ أَنْفِيَّةٌ جُعِلَتْ لِجَمْعِ الْمُؤَنَّثِ لِأَنَّهُ دُونَ جَمْعِ الْمُذَكِّرِ وَثَنَّى الْعينين وَالشَّفَتَيْنِ لِأَنَّ الْعينين هُمَا رَبِيئَةُ الْقَلْبِ وَلَيْسَ مِنْ الْأَعْضَاءِ أَشَدُّ ارْتِبَاطًا بِالْقَلْبِ مِنْ الْعينين؛ وَلِهَذَا جَمَعَ بَيْنِهِمَا فِي قوله: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ}، {تتقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ}، {وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ}، {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ} وَلِأَنَّ كِلَيْهِمَا لَهُ النَّظَرُ؛ فَنَظَرُ الْقَلْبِ الظَّاهِرُ بِالْعينين وَالْبَاطِنُ بِهِ وَحْدَهُ وَكَذَلِكَ اللِّسَانُ هُوَ الذَّكَرُ وَالشَّفَتَانِ أُنْثَاهُ. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال السمين:
سورة البلد:
{وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا البلد (2)}
قوله: {وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد}: فيه وجهان:
أحدهما: أنَّ الجملةَ اعتراضيةٌ على أحد معنَييْن: إمَّا على معنى أنه تعالى أَقْسَمَ بهذا البلد وما بعدَه على أنَّ الإِنسانَ خُلِقَ في كبد واعتُرِض بينهما بهذه الجملةِ، يعني ومن المكابَدَةِ أنَّ مثلَكَ على عِظَمِ حُرْمَتِك يُسْتَحَلُّ بهذا البلد كما يُسْتَحَلُّ الصَّيْدُ في غير الحَرَمِ، وإمَّا على معنى أنَّه أَقْسَم ببلدِه على أنَّ الإِنسان لا يَخْلُوا مِنْ مَقاساةِ الشدائِد. واعْتُرِض بأَنْ وَعَدَه فتحَ مكة تتميماً للتسلية، فقال: وأنت حِلٌّ به فيما تَسْتَقْبِلُ تصنعُ فيه ما تريدُ من القَتْلِ والأَسْرِ، ف {حِلٌّ} بمعنى حَلال، قال معنى ذلك الزمخشري. ثم قال:
فإن قلت: أين نظيرُ قوله: {وأنت حِلٌّ} في معنى الاستقبال؟
قلت: قوله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} [الزمر: 30] ومثلُه واسعٌ في كلامِ العبادِ تقول لمن تَعِدُهُ الإِكرامَ والحِباء: أنت مُكَرَّمٌ مَحْبُوٌّ، وهو في كلامِ اللَّهِ تعالى أوسعُ؛ لأنَّ الأحوال المُسْتَقْبَلَةَ عنده كالحاضرِةَ المشاهَدَةِ، وكفاك دليلاً قاطِعاً على أنه للاستقبالِ، وأنَّ تفسيرَه بالحالِ مُحالٌ، أنَّ السورةَ بالاتفاقِ مكيةٌ، وأين الهجرةُ عن وقتِ نزولِها فما بالُ الفتحِ؟ وقد ناقشه الشيخ بما لا يَتَّجِهُ، ورَدَّ عليه قوله الإِجماعَ على نزولِها بمَكةَ بخلافٍ حكاه ابنُ عطية.
الثاني من الوجَهْين الأولين. أنَّ الجملةَ حاليةٌ، أي: لا أُقْسِمُ بهذا البلد وأنت حالٌّ بها لعِظَمِ قَدْرِك، أي: لا يُقْسِمُ بشيءٍ وأنت أحَقُّ بالإِقسام بك منه.
وقيل: المعنى لا أٌقْسِم به وأنت مُسْتَحَلٌّ فيه، أي: مُسْتَحَلٌّ أَذاك. وتقدَّم الكلام في مثلِ (لا) هذه المتقدِّمةِ فِعْلَ القسمِ.
{وَوَالِدٍ وَمَا ولد (3)}
قوله: {وَمَا ولد}: قيل: (ما) بمعنى (من) وقيل: مصدريةٌ. أَقْسَم بالشخص وفِعْلِه.
وقال الزمخشري: فإنْ قلتَ: هَلاَّ قيل: ومَنْ ولد.
قلت: فيه ما في قوله: {والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} [آل عمران: 36]، أي: بايِّ شيءٍ وَضَعَتْ، أي: موضوعاً عجيبَ الشأن. وقيل: (ما) نافيةٌ فتحتاج إلى إضمارِ موصولٍ، به يَصِحُّ الكلامُ تقديره: والذي ما ولد؛ إذ المرادُ بالوالد مَنْ يُولد له، وبالذي لم يَلِدْ العاقرُ، قال: معناه ابنُ عباس وتلميذُه ابنُ جُبير وعكرمة.
{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كبد (4)}
قوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا}: هذا هو المُقْسَمُ عليه والكبد: المَشقةُ.
قال الزمخشري: وأصلُه مِنْ كبد الرجلُ كبداً فهو أكبد، إذا وَجِعَتْ كبده وانتفخَتْ، فاتُّسِعَ فيه حتى اسْتُعْمِلَ في كلِّ نَصَبٍ ومشقةٍ، ومنه اشْتُقَّت المكابَدَةُ، كما قيل: كَبَته، بمعنى أهلكه، وأصلُه كبده، أي: أصاب كبده.
قال لبيد:
يا عَيْنُ هَلاَّ بَكَيْتِ أَرْبَدَ إذ ** قُمْنا وقام الخُصومُ في كبد

أي: في شِدَّةِ الأمرِ وصعوبةِ الخَطْبِ وقال ذو الإِصبَع:
ليَ ابنُ عَمّ لَوَانَّ الناسَ في كبد ** لظلَّ مُحْتَجِراً بالنَّبْلِ يَرْمِيْني

{يَقول أَهْلَكْتُ مَالًا لبدا (6)}
قوله: {يَقول أَهْلَكْتُ}: يجوزُ أَنْ تكونَ مستأنفةً، وأنْ تكونَ حالاً.
وقرأ العامَّةُ {لبدا} بضمِّ اللامِ وفتحِ الباءِ. وشَدَّد أبو جعفر الباءَ، وعنه أيضاً سكونُها. ومجاهد وابن أبي الزناد بضمتين، وقد تقدَّم الكلامُ على هذه اللفظةِ والاختلافُ فيها في الجنِّ.
{وَلِسَانًا وشفتين (9)}
قوله: {وشفتين}: الشَّفْةُ محذوفةُ اللامِ، والأصلُ شَفَهة، بدليل تصغيرِها على شُفَيْهَة، وجَمْعِها على شِفاه، ونظيرُه سَنَة في إحدى اللغتين. وشافَهْتُه، أي: كلَّمْتُه من غير واسطةٍ، ولا يُجمع بالألفِ والتاءِ، استغناءً بتكسيرِها عن تَصْحيحِها.
{وَهَدَيْنَاهُ النجدين (10)}
قوله: {النجدين}: إمَّا ظرفٌ، وإمَّا على حَذْفِ الجارِّ إنْ أُريد بهما الثَّدْيان، والنَّجْدُ في الأصل: العُنُقُ لارتفاعِه.
وقيل: الطريقُ العالي، كقول امرئِ القيس:
فريقانِ منهمْ قاطعٌ بَطْنَ نَخْلَةٍ ** وآخرُ منهمْ جازعٌ نَجْدَ كَبْكَبِ

ومنه (نَجْدٌ) لارتفاعِها عن تِهامةَ.
{فَلَا اقْتَحَمَ العقبة (11)}
قوله: {فَلاَ اقتحم} قال الفراء والزجَّاج: ذَكَر (لا) مرةً واحدة، والعربُ لا تكادُ تُفْرِدُ (لا) مع الفعل الماضي حتى تُعِيْدَ، كقوله تعالى: {فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى} [القيامة: 31]، وإنما أفردَها لدلالةِ آخرِ الكلامِ على معناه فيجوزُ أَنْ يكونَ قوله: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ} [البلد: 17] قائماً مقام التكرير، كأنه قال: فلا اقتحم العقبة ولا آمَنَ. وقال: الزمخشري: هي متكررةٌ في المعنى؛ لأنَّ معنى {فلا اقتحمَ العقبة} فلا فَكَّ رقبة ولا أطعمَ مِسْكيناً، ألا ترى أنه فَسَّر اقتحامَ العقبة بذلك قال الشيخ: ولا يَتِمُّ له هذا إلاَّ على قراءة {فَكَّ} فعلاً ماضياً.
{فَكُّ رقبة (13)}
وقرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائيُّ {فَكَّ} فعلاً ماضياً، {ورقبة} نصباً {أو أَطْعم} فعلاً ماضياً أيضاً. والباقون {فَكُّ} برفع الكاف اسماً، {رقبة} خَفْصٌ بالإِضافة، {أو إطعامٌ} اسمٌ مرفوعٌ أيضاً. فالقراءة الأولى الفعلُ فيها بَدَلٌ مِنْ قوله: {اقتحمَ} فهو بيانٌ له، كأنَّه قيل: فلا فَكَّ رقبة ولا أطعَمَ، والثانيةُ يرتفع فيها {فَكُّ} على إضمار مبتدأ، أي: هو فَكُّ رقبة أو إطعامٌ، على معنى الإِباحة. وفي الكلامِ حَذْفُ مضافٍ دلَّ عليه {فلا اقتحمَ} تقديرُه: وما أدراك ما اقتحامُ العقبة؟ فالتقدير: اقتحامُ العقبة فكُّ رقبة أو إطعامٌ، وإنما احْتيج إلى تقديرِ هذا المضافِ ليتطابقَ المفسِّر والمفسَّر. ألا ترى أنَّ المفسِّر- بكسرِ السين- مصدرٌ، والمفسَّر- بفتحِ السينِ- وهو العقبة غيرُ مصدر، فلو لم نُقَدِّرْ مضافاً لكان المصدرُ وهو {فَكُّ} مُفَسِّراً للعين، وهو العقبة.
وقرأ أميرُ المؤمنين وأبو رجاء {فَكَّ أو أطعمَ} فعلَيْن كما تقدَّم، إلاَّ أنهما نصبا {ذا} بالألف.
وقرأ الحسن {إطعامٌ} و{ذا} بالألفِ أيضاً وهو على هاتَيْنِ القراءتين مفعولُ {أَطْعم} أو {إطعامٌ} و{يتيماً} حينئذٍ بدلٌ منه أو نعتٌ له. وهو في قراءة العامَّةِ {ذي} بالياء نعتاً لـ: {يوم} على سبيل المجاز، وُصِفَ اليومُ بالجوع مبالغةً كقولهم: (ليلُك قائمٌ ونهارُك صائمٌ) والفاعلُ لإِطعام محذوفٌ، وهذا أحد المواضعِ التي يَطَّرِدُ فيها حَذْفُ الفاعلِ وحدَه عند البصريين، وقد بَيَّنْتُها مُسْتوفاةً ولله الحمدُ.
والمسغبة: الجوعُ مع التعبِ، وربما قيل في العطش مع التعب، قال الراغب. يُقال منه: سَغِبَ الرجل يَسْغَبُ سَغْباً وسُغُوباً فهو ساغِبٌ وسَغْبانُ والمسغبة مَفْعَلَة منه، وكذلك المتربة من التراب. يقال تَرِب، أي: افتقر حتى لَصِقَ جِلْدُه بالتراب. فأمَّا أَتْرَبَ بالألف فبمعنى استغنى نحو: أَثْرى، أي: صار مالُه كالتراب وكالثرى والمقربة أيضاً: مَفْعَلَة من القرابة. وللزمخشري هنا عبارةٌ حلوة قال: والمسغبة والمقربة والمتربة مَفْعَلات مِنْ سَغِبَ إذا جاع وقَرُبَ في النَّسَب وتَرِبَ إذا افتقر.
{ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بالمرحمة (17)}
قوله: {ثُمَّ كَانَ}: لتراخي الإِيمان وتباعُدِه في الرتبةِ والفضيلةِ عن العِتْقِ والصدقةِ، لا في الوقتِ، لأنَّ الإِيمانَ هو السَّابقُ ولا يَثْبُتُ عَمَلٌ إلاَّ به، قاله الزمخشري.
وقيل: المعنى على: ثم كان في عاقبةِ أَمْرِه من الذين وافَوْا الموتَ على الإِيمان لأنَّ الموافاةَ عليه شرطٌ في الانتفاعِ بالطاعاتِ.
وقيل: التراخي في الذِّكْرِ وتقدَّم تفسيرُه.
{عَلَيْهِمْ نَارٌ مؤصدة (20)}
قوله: {مؤصدة}: قرأ أبو عمروٍ وحمزة وحفص بالهمز، والباقون بالواو، وكذا في (الهُمْزة) فالقراءة الأولى من آصَدْتُ البابَ، أي: أَغْلَقْته أُوْصِدُه فهو مُؤْصَدٌ. قيل: ويُحتمل أَنْ يكونَ مِنْ أَوْصَدْتُ، ولكنه هَمَزَ الواوَ الساكنةَ لضمةِ ما قبلَها كما هَمَزَ {بالسوق والأعناق} [ص: 33] كما تقدَّم. والقراءة الثانيةُ ايضاً تحتمل المادتَيْن، ويكون قد خُفِّفَتِ الهمزةُ لسكونها بعد ضمة. وقد نَقَل الفراء عن السوسيِّ الذي قاعدتُه إبدالُ مثلِ هذه الهمزةِ أنه لا يُبْدِلُ هذه بعد ضمةٍ، وعَلَّلوا ذلك بالالتباسِ. واتفق أنه قد قرأ: {مُوْصَدة} بالواوِ مَنْ قاعدتُه تحقيقُ الهمزةِ، والظاهر أنَّ القراءتين من مادتين: الأولى مِنْ آصَدَ يُؤْصِد كأَكْرَم يُكْرِم، والثانية مِنْ أَوْصَدَ يُوصِدُ، مثل أَوْصَلَ يُوْصِلُ.
قال الشاعر:
تَحِنُّ إلى أجْبِالِ مكةَ ناقتي ** ومِنْ دونِها أبوابُ صنعاءَ مُوْصَدَهْ

أي: مُغْلَقة وقال آخر:
قوماً يُعالِجُ قُمَّلاً أبناؤُهمْ ** وسلاسِلاً حِلَقاً وباباً مُؤْصَدا

وكان أبو بكرٍ راوي عاصمٍ يكره الهمزةَ في هذا الحرفِ، وقال رحمه الله: لنا أمام يَهْمز {مؤصدة} فأشتهي أن أَسُدَّ أذُني إذا سمعتُه.
قلت: وكأنه لم يَحْفَظْ عن شيخِه إلاَّ تَرْكَ الهمزِ مع حِفْظ حفصٍ إياه عنه، وهو أَضْبَطُ لحرِفه من أبي بكر على ما نقله القراء، وإن كان أبو بكرٍ أكبرَ وأتقنَ وأوثقَ عند أهل الحديث.
وقوله: {عَلَيْهِمْ نَارٌ} يجوزُ أَنْ تكونَ جملةً مستأنفةً، وأَنْ تكونَ خبراً ثانياً، وأن يكونَ الخبرُ وحده {عليهم} و{نار} فاعلٌ به، وهو الأحسنُ. اهـ.